السيد كمال الحيدري
88
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
كذلك ، اختارت نظرية ثالثة فيها وهى ( الأمر بين الأمرين ) . وهى نظرية وسطى لا إفراط فيها ولا تفريط ، وقد أرشدت الطائفة إلى هذه النظرية الروايات الواردة في هذا الموضوع من الأئمّة الأطهار عليهم السلام الدالّة على بطلان الجبر والتفويض من ناحية وعلى إثبات الأمر بين الأمرين من ناحية أخرى . ولولا تلك الروايات لوقعوا بطبيعة الحال في جانبي الإفراط أو التفريط ، كما وقع أصحاب النظريتين الأوليين » « 1 » . إذن كثيرة هي الروايات الدالّة على نقد الجبر والتفويض والإرشاد إلى الأمر بين الأمرين ، نختار من بينها هذه المجموعة « 2 » : ما في صحيحة يونس بن عبد الرحمن عن أبي جعفر وأبى عبد الله عليهما السلام قالا : « إنّ الله أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثمّ يعذّبهم عليه ، والله أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون . قال : فسئلا هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة ؟ قالا : نعم أوسع ممّا بين السماء والأرض » « 3 » . حيث يشير النصّ صراحة إلى نفى نظرية المجبرة التي سلبت الله عدله ، ونفى نظرية المفوّضة التي سلبت الله سلطانه ، وتحدّث عن مسار ثالث . في صحيحة أخرى عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « قال له رجل : جُعلت فداك أجبر الله العباد على المعاصي ؟ قال : الله أعدل من أن يجبرهم على المعاصي ثمّ يعذّبهم عليها . فقال له : جُعلت فداك ففوّض الله إلى العباد ؟ قال : فقال : لو فوّض إليهم لم يحصرهم بالأمر والنهى . فقال له : جُعلت فداك فبينهما
--> ( 1 ) محاضرات في أصول الفقه ، ج 2 ، ص 83 . ( 2 ) تنظر هذه الروايات في : بحار الأنوار ، ج 5 ، ص 167 4 ؛ الأصول من الكافي ، ج 1 ، ص 160 155 ؛ التوحيد ، ص 359 باب نفى الجبر والتفويض ؛ هداية الأمّة إلى معارف الأئمّة ، ص 654 فما بعد ، ومواضع أُخرى في الكتاب . ( 3 ) الأصول من الكافي ، ج 1 ، ص 159 ، ح 9 ؛ بحار الأنوار ، ج 5 ، ص 51 ، ح 82 .